وجهي .. في مرآة مهشمة ..!

صورتي
حيث تفنى كل نار
هيَ ذي الحياة ُرسائل ٌ.. فيها من الألم الجديد ْ.. العُمر خيل ُمراسل ٍ.. والحُزن ذاك هو البريد ْ..!

الأربعاء، 23 يناير 2013

أنا .. في أسبوع [ 15 ]


::
::

الــيــــوم: أحــد عــشــر ألـمــاً
الأسبوع: جـــــــــرحٌ عــاشـــر
الـشــهـر: ربـيـع الـحـزن الأول
الــســنـة: الرابعة والثلاثون، بعد أربعمائةٍ وألف منفى
،





أراك
في عينيَّ
في الأجواء في الأضواءِ في المطرِ
أراك في وجوه الناس
- كُل الناس -
في الجدران في الساحاتِ في الطرقاتِ في القمرِ
اراك ولا ارى إلاك أين امتد بي بصري
يغيبُ الكونُ
- كل الكون -
في الأشكالِ والصورِ
وتبقى أنت
- وحدك أنت -
ليس سواك في نظري


[ رَمَادٌ كَاْنَ عِطْرَاً ]

.
.




السعادة، هي أن ترى العالم في جوف أضلعك، أجمل جداً، من العالم خارجها، السعيد، هو ذلك الذي لا يستطيع تفسير البهجة التي تتكنفه، ولا يجد الأسباب التي يستطيع أن يعزو سروره إليها، لأن السعادة لا تصب فيه، ولا تأتي إليه، ولا هو يفتش عنها، إنما تنبع منه، تتمخض عنه، تتخلق في محاجر عينيه، وتتفجر في شمس ابتسامته!

السعادة، هي محطة تعقب امتلاء القلب بالأسى، وتضلع الصدر بالحزن والجوى، أن يعصر الألم روحك، أن يلقي عليك الموت التحية في كل جهة وباب، حين يجتمع الكون كله في عينيك، فتراه أجمعه، هباءً منثوراً، هناك فقط، تزهر السعادة، تتفسخ شرنقة البهجة، وكأن الوجع تأشيرة دخول، لجنة في الروح، لا يحظى بها كثيرون، حينها فقط، تكون محصناً ضد الألم.

.

وأنا، رجل النقائض والتضاد، رغم كل الانكسارات والهزائم التي لا تنتهي، مازلتُ غير قابلٍ للانحناء، مازلتُ شاخصاً صوبَ السماء، مازلتُ عصياً على الفناء، مازلتُ أنسج أحلامي الكبيرة بمغزل التجلد وشدة البأس، مازلتُ الرجل الذي يتمرد جنونه على حكمته كل ليلة، ويقيد عقله جنونه كل صباح.

مازلتُ ذلك الرجل الذي يهوى اعتزال الوجود في كهفه، بسراجه وكتابه وأسراره وأمنياته الصغيرة، وهو ذات الرجل الذي يهوى الركض على شاطئ البحر بصدرٍ معرى، يعانق الريح والنوارس، ويحكي للبحر شوقه وحنينه.

مازلتُ ذاك الرجل الذي يخرج ظهراً إلى حديقة منزله حين يعم السكون المدينة، يغني مع الريح والأغصان، مع الحمام والعصافير، يلعب بالتراب، ويصطاد الحشرات، ويلاحق فراخ الدجاج والبط الصغيرة حتى تهجم عليه أمهاتها وينكب الشاي من كوبه الذي يحمله بيده على ملابسه، مازلتُ اشتاق لجروين صغيرين حصلت عليهما قبل مدة وجيزة، لأستعيد بهما ذاكرة تاكي الجرو الذي فقدته قبل قرابة 18 عاماً، وتاكي القط الذي فقدته قبل عام، وهل جزاء الوفاء إلا الوفاء؟

وفي الجانب الآخر، مازلتُ الرجل الذي يحلم بغزو الكون، باحتلال العالم، بارتداء وشاح وتقلد رمح وامتشاق سيف وامتطاء صهوة فرس.

مازلتُ الرجل الذي لا يطيق الحياة دون أن يحب ويعشق، دون أن يغرق في لجج الغرام والهوى، دون أن يفتله الحنين ويمزقه الشوق، الرجلُ الذي تتخطفه الحمى من سورة الوله، ولا يكتفي ابد الدهر من عناق حبيب!

مازلتُ الرجل الذي تجري دماء الناسك في عروقه، من ينتحب وتتقطع أنفاسه حين يتذكر خطاياه وآثامه، من يُسبّح بدموعه في المحراب حياءً من هول الذنوب والجرائم التي يستغفر بارئه عنها، ولا يكفيه الغفران!

أنا، هو الكائن الذي، اختزلت في خطوط كفه، قصة الوجود بأسره.
،
::
::

الأحد، 23 ديسمبر 2012

أفول في الذاكرة ..!

::
::
،

الحُزن يُـقلقُ والتجملُ يردعُ
والدمعُ بينهما عَصِـيٌّ طـيِّـعُ

يتنازعان دموعَ عين مُسهّدٍ
هذا يجيء بها، وهذا يرجعُ

[ المتنبي ]
.

هو الدهرُ، دولته سجال، تكر صروفه، وتتناوب ظروفه، يتقلب في عباءته الجديدان، ولا يسْمدِرُّ له حال ولا شان، فلا أُنسٌ يدومُ ولا شقاء، ولا بؤسٌ كذلك أو رخاءُ.

ما إن عقت الروح تميمتها، وشبت النفسُ عن طوقها، حتى باغتتها الأيام بأسنتها الذَرِبة، ونصالها الذَلِقة، كإزميلٍ يفري الأديم، ويذر العظام كالرميم، والأسى يعصب الأفواه، ويُذبل الشفاه، ممزقاً خيوط الفجر على قلبٍ يُوارى مثواه.

لم أكن إخال أن تعركني الليالي عرك الرحى بثفالها، وتصليني ناراً تلظى في مستهل الميلاد الأخير، رغم أني قد نضدت روحي على أعتى ألم، ورضَّمتُ أضلعي في أوار جمرٍ وحِمم، ولكن هي طبائع الأيام، ونحائز الأعوام، تغتالك حين غرة، وتباغتك فجاءةً مكفهرة، كأنها عِقبانٌ تقع على صرعى معارك العمر، فيخرمهم منسرها، وينشب في أشلائهم مقطمها، حتى لا يبقى في العين بصيص، ولا في الروح نسيس.

إن الدواهي في الآفات ترتهس، والمصائب لا تأتي فرادى.




الانكسار، هو جزاء عصيان الوصايا، تلك التي حاضرني بها شيخ الحزن في عِرنين الجبل على سفح ذاك البرج، ذات يومٍ شاتٍ، فبأي وجهٍ ألوذ إليه، حين انفض عني ضماد الجرح، وأنا مازلتُ أنزف! سأخبئ جراحي هذه المرة، وسأبدو حازماً متماسكاً، رغم أن العين تشي بما يكتمُ الصدرُ.

لا بأس ولا يأس، فأنا أظل الحُزن المتجسد في صورة بشر، ولن يغير هذا الجسم الضيق من أكون، ومهما ناءت السماء بكلكلها وشاحت عني بوجهها، فلن تتمكن من نسيان ضلعها المفقود، ذاك الذي هوى كشهابٍ ساعة عتمة، فاتخذ وجها واسما كالبشر، وضاع في زحامهم، ستظل تلك المضغة المجتثة من ثبجها تقضها بالوجع، حتى تنقضي فترة الحكم علي بالشتات والغربة في هذا العالم البائس، وأعود إلى حيث أنتمي .. يوماً ليس ببعيد على المترقب.

فيا شيخ الحزن، لا توصد علي مأواك حين ألقاك، والتمس لي عذر موسى النبي، يوم كُسرت جرة صبره على تعاليم الرجل الصالح، أنا فقظ لم أستطع أن أمعن في القسوة كما طلبت، ولا إخالك ذاهلاً عن إرث السماء الذي ما انفك يموج في أوردتي، إرثُ الشدة في غير عنف، واللين في غير ضغف، ولكنك كنتَ صادقاً في وصاياك، لقد عصيتُك حين ألقيتُ من يدي أسلحتي وخلعتُ عني ترسي ودروعي، وأذنتُ لسهام الذاكرة أن تتمرغ في صدري، فانهل علي الألم كغمام ساجم سد كل مسارب الأفق، ربما أردتُ اختبار روحي الأخيرة، وفحص صلابتها، ومحص متانتها، وهل مازالت تئن لسُؤر الماضي وبقايا رفاته، إلا أن الجائحة كانت عاتية، وكادت أن تجعلني أثراً بعد عين، لولا أن ثبت وجلدت ورسخت كراية موكوزة في جبلٍ أشم.

يا شيخ الحزن، اعتدت على الطعنات حتى ما بقي في هذا الجسد شبر إلا به ندبة خنجر ورأس حربة وصدرُ قناة، ولكن لا تخشَ علي، فأنا مازلتُ واقفاً على قدمي، ثابت الهامة، راسخ الهمة، قوي الشكيمة، ماضي العزيمة، مرفوع الجبين، مهما تخضبتُ بالأرجوان.

يا شيخ الحزن، أتصدق أنهم ما فتئوا يوهمونني بالحنين؟ أجل الحنين! بعد مضي دهرٍ من النسيان المكفن بالموت! ذاك الحنين الذي يغفو حولاً كريتاً، ويصحو كالسراب، في لحظة فارطة من حساب العمر، لم تكن في عمدة الروح، ولا في خارطة سير الأقدام، ذاك الحنين الذي لا يجاوز طرف اللسان، الحنين الذي أضحى مجرد مستحضر لترقيع الوجوه المشوهة في الذاكرة، الحنين الذي لم يترك غير نشيجٍ .. وأنين!

إن بيع الحنين في غير سوقه، يجعل منه بضاعة مزجاة! أليس هذا ما علمتني إياه يا شيخ الحزن؟ من كان يستطيع الصبر عنك لأيام، يستطيع الاستغناء عنك لأعوام. يتذكرونك، بعد أن قذفوا بك من أكفهم في مهاوي الردى وأتون الأسى، وشغلتهم الحياة بلذاتها ومتعها، بعد أن أينعت أمانيهم عن ثمر لا يشبه وجهك، ولا يحمل اسمك، جاؤوا يترنمون بالذكرى كقرابين تشفع لهم كل ما اقترفوه من جراح!

يا شيخ الحزن، لقد بترت أضلعي المكسورة من أرومتها، وجذذتُ ما يصلني بهم من آصرة، لذلك لستُ بحاجة للتضميد، لستُ بحاجة لإيهامي بالحب والشوق والحنين .. تلك الكلمات التي لم تعد تحمل حجماً أكبر من محض ألفاظها، لستُ بحاجة لإيهامي بأني كنتُ ذا ثمنٍ في عيني أحدهم، لستُ بحاجة لإيهامي بأني عالقٌ في البال غدوا ورواحاً وبالبكور والآصال، صدقوني، لم يعد يهمني كل ذلك، ولم أعد أحب سماع ذلك، لأنه بكل بساطة، لم تعد له قيمة في قسطاس الروح، تلك الروح التي تحطمت كزجاجٍ لا يُرأب صدعه!

سأنسحب بهدوء، دون نشيج، دون ضجيج، دون استئذان، سأتلاشى كنجمٍ تلتهمه العتمة، دون حس أو ركز، سأدعهم يموجون في العالم الذي اختاروه، والدرب الذي سلكوه، علهم يهنأون بالغضارة والرفأنينة التي احتسبوها بعيداً عن وجهي، وليغفروا لي موتي، وأنا أودع في أعينهم ابتسامتي الأخيرة، ابتسامة عاشقٍ جمع جراحه وقلبه المحطوم في صرة، ومضى بعيداً دون أن يودع أحداً أو يذري بأنامله دمع الرحيل، بعيدأً جداً، حيث لا عودة أو قفول.



فـمــا بــال قـلـبـي هــده الشــوق والهـوى
وهــذا قميصــي مــن جــوى الحزن باليـا

خـلـيـلـيَّ قــد حـانــت وفــاتــيَ فــاطــلــبـا
لــيَ الــنــعـــشَ والأكفـانَ واستغـفرا ليا

وخُــطَّـــا بأطـــراف الأســنـــة مضجـعي
وردا عــلــى عــيــنــيَّ فــضــل ردائــيــا

ولا تــحســدانـــي بــــارك الله فـيـكــمــا
من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا

وإن مـــت مــــن داء الصـبــابـة أبلـغـا
شـبـيـهـة ضــوء الشمسِ مني سلاميا

[ المجنون ]

،

::
::

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

أنا .. في أسبوع [ 14 ]


::
::

الــيــــوم: عـــشــــرة آلامٍ واثـــــنـــــــان
الأسبوع: خـــمــــســــون جُـــــرحــــــــا
الـشــهـر: ديــــســـمـــبـــــر الأفـــــــــول
الــســنـة: الثانية عشرة بعد ألفي منفى
،

لقد تركت لي روحي الذابلة إرثاً ثقيلاً من الأسى والانكسار، ولكن هو الحُزن، المعلم الأول، يرتقي بك إلى سماءٍ تقي أذنيك ضجيج الكائنات وضوضائها، فهل ترى تخلقت في جوانحي روحٌ جديدة، أم أنه طائف حلم يتلاشى مع انبلاجة فجر؟ الوقتُ مبكرٌ على إطلاق الأحكام، ولكن الابتسامة في وجهي والبريق في عيني يكشفان بعضاً من السر المخبوء في جيب القدر، أنا لا أكترث، أنا حُر طليق! :)


لقد عشتُ تلك اللحظة، تلك اللحظة المستثناة من نطاق الحواس، قوة الروح، اتقاد جذوتها، سلطتها وسطوتها على ذرات الجسد، حين تشعر أنك غير قادر على تفسير البهجة التي تجتاحك كسيل جارف، يرأب كل صدع، ويوصد كل نزيف، ويغسل سائر الجراح، ويوقف تيار الزمن برهة، ويجعل الشمس في يمينك، والقمر في شمالك، ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ.

أجوب الطرقات، وكأني أتفقد الأرض لأول مرة، ككائن للتو تطأ أقدامه الثرى، وأنا أشعر بالأغنيات تضج في حنايا أضلعي، حين تعانق عيناي أبراج السماء فأسشعرها تحدثني بلغة لستُ أعي كنهها إلا أنها تُترجم في ابتهاج عارم يعج في مسارب دمي، حيثما ألتفت وأولي بصري، أرى كل شيء مكسواً بالجمال، كل شيء يدفعني للتحليق بعيداً جداً عن دبيب الكائنات وزحامها الكئيب وعالمها السخيف الرتيب.. نعم، أنا أنتصر في مجد، أنتصر بانكساري، بأحزاني، بآلامي، بأحلامي المشظاة وأجنحتي المهيضة، أنتصر بكل هذا، على نفسي، على الوجود، أنا .. قاهر!



كم تهوى النفس هذا المكان، وهذا المنظر الموشى في عينيّ، كم ترى من السنين مرت، وأنا رابض في هذه الجنة حاملاً كتاباً وكوب شاي كبير، وأحلاماً تسور العنق كطوق ياسمين، كم هي المرات التي مارستُ بين تغاريد عصافيرها وأفنانها وأفيائها الحنين، والحب، وعذب الغرام، وتلوت على أصداء سمائها الأمنيات! هذه هي الأرض التي سقطتُ فيها من السماء ساعة عتمة، بضلع مكسور، وروحٍ مشظاة، هذه هي الأرض التي علمتني العشق، والوفاء، والجمال!



 لا أحتاج أكثر من عناق هذه الزهرات لأخلق في أكتادي أجنحة تحلق بي حيث لا ركز لبشر، هنا تتربع ابتسامة عريضة بين وجنتي، وكأني أنصت بإمعان لقصائد سحرٍ يصدح بها الكون في مسامعي، ثمة رباط متين يجمعني بهذا الجمال الذي يخطف الأبصار ويخلب الحجا، ثمة لغة من الحب تجعلني أهوى الابتعاد عن كل كائن يمشي على ساقين ويحمل في جمجمته مرجلاً مترعاً بمهازل الدنيا وسفاسف حوادثها، ويصم آذاني بثرثرة لا تزن حصيلتها جناح ذبابة وتفضي إلى صداع! فأشيح بكل حواسي بعيداً جداً، إلى حيث ألغي من الكون كل شيء عدا الذي طبعت في جبينه قبلة من فم الحسن. ثمة عالم هائل يتضخم في عمق هذه الأضلع، يبقيني قناصاً لطرائد السرور حيثما أكون، ولا أبالي بما دون ذلك.


 لطالما ظننت أني مصاب بإعاقة في الروح بعد انكساري الأخير، ولكن بعثت من قبري كائناً ذا روحٍ أفخم وأعظم، مدججة بأسلحة أقوى، وتروس أعتى، تؤزها طاقة جبارة، يضمها قلب مفصل على مقاس الحب الأسمى، قلبٌ متفجر بالعشق، متيمٌ بممارسة الشوق، ومتقنٌ في مزاولة الحنين، يفتش في الكون عن عيني حبيبٍ ترجح كفته أمام كفة سائر الكائنات في ميزان الوجود، فأستغني به عن العالمين. ثمة مزيج عجيب من منتهى العقل والرشد والنضج، ومنتهى الجنون والشقاوة والشغب، كائن مليء بالتناقضات والأضداد، وكأني خزانة ملأى بكل ألوان الحس والشعور، أنتقي منها ما أشاء، وأترك ما أشاء، بإشارة اصبع استحالت عصا ساحرٍ متمرس، عركته نوائب الدهر حتى استحكمت شكيمته، واشتدت عزيمته.

بكل اختصار، أنا الآن أقوى، أعظم، أجمل :)
،
::
::

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

أنا .. في أسبوع [ 13 ]


::
::

الــيــــوم: خـمـسـة وعـشــرون ألـــمــــاً
الأسبوع: أربعــون جُرحـاً وثــمــانـيـــة
الـشــهـر: نـــــوفــــمــبــــر الــــذبـــــول
الــســنـة: الثانية عشرة بعد ألفي منفى
،

ليس صحيحاً اننا نموت مرة واحدة فقط، إننا نموت مراتٍ عديدة، وتجتث ارواحنا من بين أضلعنا مراراً، كلما ازدهر في رحاب الروح وجه للحياة! وفي المقابل، لسنا نحيا حياةً واحدة كذلك، بل حيوات كثيرة، كلما اتقدت في جوانحنا جذوة من بعد غيهب.

انقضى عامٌ ونيف، وأنا مكفنٌ في شرنقتي، بأحلامي المشظاة، وأمنياتي المكسرة، وأجنحتي المهيضة، أرقد في ذكريات حبيبٍ سرق القلب خلسة وأودع خنجراً مكانه، ثم رحل ولم يعقب! لكن في خضم تلك الدماء، تلك الجراح، ثمة روح جديدة تتخلق، ثمة مخاض يوشك أن يحل، ثمة قلب يرقب انبلاجة الفجر الأول في عيني، يتوخى انبعاث عمر يلغي من الذاكرة سجل أيام آفلة ويختمها بالشمع الأحمر.. أنا الذي عب من حياض المنايا حتى تضلع، وأنشب فيه الدهر مقطمه حتى تصدع، أوشك أن أتنفس، أن أحيا، أن أبعث من جديد!


مؤخراً، بت أدهش من نفسي، لقدرتي على اختلاق البهجة حين أشاء، وكأن أصابعي عصا ساحر تصنع المعجزات، قدرتي على اختلاق بهجة في ذاتي، دون عونٍ من أحد، أو حاجة ليد تعطف، أو قلبٍ يحن، أو عينٍ تودع البسمة في شفتي. ثمة طاقة متفجرة في حناياي تتبجس من أناملي، أشعر بها تفيض مني كينابيع تتصدع من جلمود صخر، فتغنيني عن العالمين.

تُرى هل يحق لي أن أحتفل بهذا النصر في باحات روحي؟ أم أن الأمر لا يعدو سحابة بارقٍ لن تمطر؟ لستُ على يقين بعد، ولكن حقاً اشعر بشيء من السطوة على نفسي، ثمة احساس بالغنى في أعماقي، يجرني لتلمس سعادة تتسرى في أوردتي.

يقول الحكيم (طاليس): [ ذاك الذي يحتاج للقليل، هو أكثرهم سعادة ]، لطالما حاولت أن اروض نفسي على الاعتداد بالذات، على صناعة الفرح في زوايا اضلعي، على فصل سعادتي عن الكون، متخلصاً من ربقته وقيوده وتبعيته، نعم، إنها الحرية، كلما تحررتُ اكثر، اقتربت من سعادة مطلقة! ويبدو أن جهودي تكللت ببعض نجاح.

في وقت ما، وصلتُ لحالة من التكامل، وكأني فصلتُ تماماً عن العالم الخارجي، لم تبرق الدنيا في نواظري، لم يهمني أن أكون في قصر أو تحت سدرة، لم يهمني أن أكون في جنة أو رمضاء، لم يهمني أن أكون وسط حشود من الخلق أو وحيداً مفرداً، هناك عالم في داخلي يجعلني أفقد اكتراثي بما يتعداه، هذه هي القوة الروحية التي أبحث عنها وأنشدها، تمكنتُ منها أخيراً، المسألة تبقى فقط في القدرة على المحافظة على زخمها وتدفقها، وهذا الجزء الاصعب، والمصاعب هي اختصاصي.

الآن، اشعر بأني كائن متجدد، كائن حر طليق مندفع للحياة بصخب، لا يتهيب جبالها ولا تفت في عضده نكباتها. عنقي أصبحت أعصى على الكسر، وذراعي أشد على اللي، واضلعي تدرعت بتروس أعتى وأقوى!

الآن، أنا على وشك شق جدران الشرنقة، ثمة عمر جديد يلوح في الأفق، وبهذه الروح الوقادة، سأجبره ان يكون أجمل .. أجمل جداً من كل ما مضى!

،
::
::

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

أنا .. في أسبوع [ 12 ]


::
::

الــيــــوم: ثــــــــلاثــــــــون ألــــــمــــــــاً
الأسبوع: أربعــون جُرحـاً وأربعة معــاً
الـشــهـر: أكـــتــــــوبــــــــرالأســـــــــــى
الــســنـة: الثانية عشرة بعد ألفي منفى
،

العام الثاني من الانكسار، يحتفي بذكراه في مثل هذه الأيام، والأرض لاتزال مضمخة برائحة الدماء، رائحة الموت، وآثار الدمع المسفوك على الطرقات .. الفناء يعصف في كل وجه من وجوه العمر، ولم يبق في كؤوس الحياة إلا .. مرارتها.

تُرى كيف أصبحتُ أبدو الآن؟ هل مازلتُ أعاني من فقدان الحس بالزمن؟ وكأن ساعة الوجود قد أوقفت قرع أجراسها في صفائح روحي منذ عامين، وأنا مازلتُ أعكف على إصلاح أجنحتي المكسرة منذها، وأنسج الأمنيات بمغزل الصبر والتجلد والـ .. أنين!

مازالت تنتابني نزعات الحنين، إلى وجوهٍ ألفتها العينان، وسكنت إليها الروح، ورائحة عطرٍ لازمت الأضلع وفاءً، أكثر من أصحابها! ولكن السدود بيننا أصبحت أكبر بكثير، وتتعالى كلما هرم بنا الدهر، امحت كل الخرائط، وعفت ريح الانكسار على شوارع الذاكرة، تلك التي كانت زاخرة يوماً ما، بهم!

لقد بكت السماء أخيراً، على قدر أحزاني، وغسلت جبهتي المعفرة بالأسى، لتخبرني أنك لستَ وحدك، ولن تكون، مهما ظننت!

بعيدأً جداً عن الوجوه والعُمران والأزقة الموقدة بالأنوار، بعيداً حيث الأرض العذراء التي لم يطمثها بعد، هوس الإنسان بالعبث، حيث يصدح موج البحر، حيث لا ضوء في قبة الأفق سوى بدرٍ تم ضياؤه، كوجه حبيب يلغي من الكونِ باقي الخلائق، حيث الرمل يحتضن الماء كرة بعد مرة، كعشيقين لا يفتران من شغف العناق! هناك .. كنتُ أنا، حيناً من الدهر.




كان البحرُ هائجاً جداً، إذ يرتفع موجه قرابة المتر والنصف، هو ذات الحنين الذي يجيش به صدري، يترجمه البحر في طول امتداده! والنسيم العذري البارد، يتسلل وسط أضلع معراة، يفتش فيها عن بعض دفء.

كم مر من الوقتِ ترى، وأنا أحدق في وجه البدر، وأناجي البحر، وأغرس أقدامي جيئة وذهاباً على الشاطئ، في منتصف الليل، حيث لا أحد، إلاي!

افترشتُ الرمل، والتحفتُ السماء، متجرداً من كل هموم الحياة وأوزارها، وبقيتُ أرقبُ الفجر، فكانت طلعة الشمس، بشعاعها المتورد، كخدي فتاةٍ جميلة، رأيتُ في بسمتها الشمسَ ذات زمن .. بعيد.




رحلتُ، وقد وعدتُ البحر بأن أعود إليه، إلى هذا المكان، ولكني لن أكون، يومئذٍ، وحيداً..

لأني كائنٌ أمتلكُ خزائن الموت، أستطيع في أي حين، أن أخلق الحياة، وأوزع صكوك البهجة، ولا أبالي. صحيحٌ أني كائنٌ قد قتله الحُب ومزقه كل ممزق، ولكني أيضاً، كائنٌ لا يعيش إلا به، لا يعيش إلا في عيني حبيب .. حبيب يلغي من الكون كل الخلائق، ويحمل في راحتيه .. جنة!

أيها البحر، ابقَ كما انت، وأنا باقٍ .. على وعدي ..!
،
::
::

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

رغــبــة ..!

::
::
، 
لي رغبةٌ
في الاعتزالْ
في الانسحاب من الضياءِ
إلى الظلالْ
في الاختباءِ
بجوفِ كهفٍ
واعتصامٍ
في جبالْ
.
لي رغبةٌ
في الصمتِ
في ترك ساحاتِ النزالْ
في الكفِّ عن
كل ألوانِ الحديثِ
وكل صنفٍ للجدالْ
إني تعبتُ
من الصراعِ
من الجراحِ
من القتالْ
.
لي رغبةٌ
في الاندثارِ
كمثلِ حباتِ الرمالْ
في التشتتِ
والتمزقِ
والزوالْ
في الاختفاء من الوجودِ
كأنني
في الدربِ آلْ
وكأنني
قد كنتُ وهماً
أو حكايا
من خيالْ
.
لي رغبةٌ
في الاعتراف بإنهزامٍ
واحتلالْ
بانكسارٍ
في ضلوعي
لايزالْ
باختناقٍ
يعقبُ الدمعَ المُسالْ
.
ينتهي
فصلُ الحياةِ
عندما يبكي الرجالْ
.
.
لي رغبةٌ
في الاعتزالْ
،

::

::

شواظ ..! [ 7 ]

::
::

كـُـل الدروبِ بعيدةٌ
في غير خارطةِ الهوى
فإذا هويتَ رأيتَها
كـُـل المسافة أصبحت
درباً قصيرا
، 
هي خيبةٌ
أن يستطيل الليلُ دهراً
والأماني إذ رجت
صبحاً يلوحُ ولا صباح
هي خيبةٌ
أن يستحيل الكونُ برداً
ثم لا تلقى غطاءً
غير حزنٍ
قد تمثــَّـلَ في وشاح
فالتحف حزناً
وكُل حُزناً
وارتوِ ، إن شئتَ
أو لا شئتَ حُزناً
ليس هذا العمُر إلا .. خيبةَ
كبرى
وذي الايامُ في القاموس معناها [ جراح ]
هي خيبة
أن ترتجي وجه الحبيبِ إذا ذوى
أن عله يأتي
ويجلبه الهوى
لكنه أبقى الأسى
والحُب مَزَّقهُ
وراح!
،

::

::